أحمد مصطفى المراغي
179
تفسير المراغي
لأن الشهادة إظهار الحق ) أو على والديكم وأقرب الناس إليكم كأولادكم وإخوتكم ، إذ ليس من بر الوالدين ولا من صلة ذوى الرحم أن يعانوا على ما ليس لهم بحق الإعراض عن الشهادة عليهم أو ليّها والتحريف فيها ، بل البر والصلة في الحق والمعروف . وليس من شك في أن الحياة قصاص ، فالذين يتعاونون على الظلم وهضم حقوق الناس ، يتعاون الناس على ظلمهم وهضم حقوقهم ، فتكون المحاباة من أسباب فشوّ الظلم والعدوان والمفاسد التي لا يؤمن شرها . ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما ) أي إن يكن المشهود عليه من الأقارب أو غيرهم غنيا أو فقيرا فاللّه أولى بهما ، وشرعه أحق أن يتبع فيهما ، فحذار أن تحابوا غنيا طمعا في برّه ، ولا خوفا من أذاه وشره ، ولا فقيرا عطفا عليه وشفقة به ، فمرضاة كل منهما ليست خيرا لكم ولا لهما من مرضاة اللّه ، ولستم أعلم بمصلحتهما من ربهما ، ولولا أنه يعلم أن العدل وإقامة الشهادة بالحق خير للشاهد والمشهود عليه لما شرع ذلك ولا أوجبه . و روى ابن جرير عن السّدى في سبب نزول الآية : أن رجلين فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فكان حلفه ( ميله القلبي ) مع الفقير ، يرى أن الفقير لا يظلم الغنى ، فأبى اللّه إلا أن يقوم بالقسط في الغنى والفقير . وقال قتادة في هذه الآية : هذا في الشهادة ، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك أو الوالدين أو على ذوى قرابتك وأشراف قومك ، فإنما الشهادة للّه وليست للناس ، والعدل ميزان اللّه في الأرض ، به يرد اللّه من الشديد على الضعيف ، ومن الصادق على الكاذب ، ومن المبطل على المحق اه . ( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ) أي فلا تتبعوا الهوى لئلا تعدلوا عن الحق إلى الباطل ، إذ في الهوى الزلل . ( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) أي وإن تلووا ألسنتكم بالشهادة وتحرّفوها أو تعرضوا عنها فلا تؤدوها فاللّه خبير بأعمالكم لا يخفى عليه قصدكم فهو مجازيكم بما تعملون .